حسن حسني عبد الوهاب
66
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
البناء في سنة 250 ه ، وتحاشى من أن ينسبه لنفسه أو أن يرسم اسمه عليه ، إجلالا لعمل أخيه المتوفى ، فنسبه إلى ( المستعين ) العباسي المتولي حينئذ ببغداد ووسمه باسمه ، على حين أن هذا الخليفة لم يكن له أدنى مشاركة في عمله ، وفي رأيي أن الفتى ( نصير ) الواضع اسمه في الكتابة التذكارية هو من أتباع الدولة الأغلبية ومواليها ، ولا غرابة البتة من أن يدمج نفسه في جملة فتيان الخلافة العباسية التي كان لها السيادة العلياء على الأسرة الأغلبية كما هو معروف ، ولا أدلّ على ذلك من كون طراز الزيتونة الفنّي في وضعه وهندامه هو طراز بقية الجوامع الكبيرة التي أقامها الأمير أبو إبراهيم أحمد في البلاد ، ومما يؤيد نظريتنا أيضا أن كل المصادر التاريخية والجغرافية القديمة - كالبكري وغيره - إنما أشارت إلى تجديد الزيتونة على يد الأمير أحمد ولم يأت في مصدر واحد منها نسبته إلى المستعين باللّه ، فهذا الالتباس يجدر أن يرفع عنه الستار لتعلم الحقيقة الواقعة . وكذلك لا أخال المهندس ( فتح ) الوارد اسمه في آخر الكتابة ألّا من كبار البناة الإفريقيين في دولة أبي إبراهيم أحمد . أعربنا غير ما مرة عن أسفنا الشديد لعدم وجود من اعتنى من أبناء البلاد بأخبار جامع الزيتونة في تطوراته المعمارية ، وفيما قام به في وظيفته التعليمية ، فإنّا لا نعلم من تصدّى للكلام عنه بصفة خاصّة سوى بعض الأثريين الأجانب ، لكن أملنا وطيد أن يوفق في المستقبل القريب بعض شبابنا المثقف للقيام بهذه المهمة التي يترقّبها كل تونسي بشوق شديد وفراغ صبر . وها نحن نشير هنا في جملة مختصرة إلى المهم من مميزات جامع الزيوتونة العمرانية وبعض زخارفه الفنيّة قبل أن نذكر ناحية التعليم به : وربما يعجب القارئ الكريم من أن جامع الزيتونة لم يكن له في أصل وضعه مأذنة - صومعة - وقد ينتهي استغرابه لما يعلم أن المساجد والجوامع في البلاد المغربية في الثلاثة قرون الأولى للهجرة لم يكن لها مآذن ، عدا جامع عقبة بالقيروان ، أما جوامع تونس وسوسة وصفاقس - وهي المدن الكبيرة في البلاد - فإنها كانت خالية منها ، وذلك اقتداء بالسنّة المحمدية إذ إن المسجد النبوي في